
وتمضي الأعوام وتبقى ذكراك عالقة في الأذهان
صوتك حين تنادي ,وقع نعليك ,كرسيك
وبضع ورقات كنت تكتب عليها أخر ما استجد من الأخبار والانباء وكل معلومة أعجبتك لا تريد نسيانها .
صورتك بين أغصان التوت صيفا وحين تواري نار الشتاء القارص في مدينتي الصغيرة ..
واليوم وعندما وطأت قدماي تلك الأرض المجدبة أصبح للذكرى شأن آخر
وكأني بها تشكو حرارة الشمس بعد ان اجتثت نخيلها من مكانها
حتى نخلتي التي كنت أجني منها كل يوم لا وجود لها !!
سكون تام إلا من صرير تلك الأبواب التي أفنتها السنين
أتلمسها وأتذكر نظرات إعجابك التي أحاطتني
وابتسامتك العريضة عندما رأيتني ألطخ الألوان عليها ..
حينها أحسست بالفخر وأني الأفضل!!
وعندما رأيتها الآن عرفت أن نظراتك كانت تشجيعا لي وتحفيزا ..
قلبت عيناي علني أجد الكرسي الذي أعتدت أن أراه في مكانه
لكني صدمت بجدار يفصل المكان ..
من صدمتي توجهت مسرعة نحو غرفة الموقد أو كما أسميتها (القهوة)
فلا دخان يخرج من تلك المدخنة المتهالكة بالسواد
ولا أثر سوى بقايا رماد تحيطها قطع الطوب الأحمر
التي رتبتها بيديك وبدت بصمات أصابعك عليها ..
خلف الموقد كنت تجلس ترتشف قهوة الصباح
من الجهة الأخرى للموقد كنت أجلس مع أختي ننتظر حافلة المدرسة ..
هنا تحدرت دمعات استطعت أن أواريها ..
وفي داخل المنزل دهشت حينما قرأت كلمات كتبت على الجدار
(ذكريات … يوم الثلثاء…. )
لم تبلى مع مرور زمن ليس بالقصير
حتى سطح بيتنا لم يتغير
وقفت في ذلك المكان الذي كنت وأختي كل ليلة نعتني به
ونبلل المكان بالماء حتى يبرد
ونمد فيه حصيرتنا الصغيرة ووسادات نتكيء عليها
هذا مكان والدي وهنا تجلس أمي ..
هنا تسارعت دمعاتي وعجزت عن إخفائها
وأفقت من خيالاتي وأدركت أن المكان موحش لا يصلح للسكنى
صاحب الدار عاش بها واحياها فمات هو وبقيت هي لكنها بدونه كأنها ميته .
لا لون لها ولا صوت فيها ولا رائحة تشمها رغم صمود جدرانها وانارة ضوئها..
يالله كيف أن دوام الحال من المحال ؟!
رحلت وتركت الدنيا وما عليها
رحلت ولم تأخذ شيئا إلا عملك
وخلفت وراءك الذكرى الطيبة وبعض أشلاء منزل
وهذا هو حالنا من بعدك ..
أسأل الله أن يبدلك قصورا في الجنة ويجمعنا بك في مستقر رحمته .
تلك الكلمات تصف شيئا يسيرا من شعوري عندما زرت بيتنا الذي انقطعت عنه بعد وفاة والدي
أسأل الله له الرحمة والمغفرة وأن يسكنه الفردوس الأعلى .